المعادن الأفريقية تشعل سباق واشنطن وبكين: من يملك ثروات القارة ومن يلتقط القيمة المضافة؟

منذ 3 ساعة

عبدالله مولود

نواكشوط ـ «القدس العربي»: لم تعد المعركة على المعادن الأفريقية تدور فقط حول من يملك حق استخراج النحاس والكوبالت والليثيوم والعناصر الأرضية النادرة، بل انتقلت تدريجياً إلى سؤال أكثر حساسية: أين ستتم معالجة هذه المعادن، ومن سيحصل على الجزء الأكبر من قيمتها الاقتصادية؟
فبعد عقود ظلت خلالها أجزاء واسعة من القارة تؤدي دور المورّد للمواد الخام إلى مراكز التصنيع العالمية، تبدو أفريقيا اليوم أمام محاولة لإعادة رسم موقعها في سلاسل القيمة المعدنية، في وقت تتسابق فيه الولايات المتحدة والصين، ومعهما قوى أوروبية وآسيوية وخليجية، على تأمين الموارد التي أصبحت مرتبطة مباشرة بصناعات البطاريات والطاقة المتجددة والتكنولوجيا المتقدمة والدفاع.
وفي أحدث مؤشر على هذا التحول، أعلنت واشنطن استعدادها لمساعدة كينيا على تطوير صناعة محلية لمعالجة المعادن الحيوية، بالتزامن مع اهتمام أمريكي متزايد بمشروع «مريما هيل» الساحلي، الذي يُعتقد أنه يحتوي على احتياطيات مهمة من العناصر الأرضية النادرة والنيوبيوم.
وقال مسؤول أمريكي إن النموذج الذي تسعى واشنطن إلى دعمه في كينيا يفترض معالجة محلية وإضافة قيمة للموارد قبل تصديرها.
لكن خلف هذه اللغة الجديدة يبرز سؤال لا يقل أهمية عن الوعد نفسه: إلى أي مدى ستكون «المعالجة المحلية» أفريقية فعلاً، وأين ستتوقف حدود القيمة التي تحتفظ بها البلدان المنتجة؟
تكشف التجارب الجارية أن التحول لا يزال في مراحله الأولى؛ فالولايات المتحدة تسعى بوضوح إلى بناء سلاسل توريد للمعادن الحيوية تقلل اعتمادها على الصين، التي تتمتع بموقع مهيمن في عدد من مراحل معالجة المعادن النادرة.
وفي المقابل، تحاول الدول الأفريقية المنتجة استثمار المنافسة الجديدة لانتزاع شروط أفضل، ليس فقط من حيث عائدات التعدين، وإنما أيضاً عبر فرض قدر أكبر من التصنيع داخل أراضيها.
وتقدم جمهورية الكونغو الديمقراطية نموذجاً بالغ الدلالة؛ فقد ارتفعت صادرات النحاس الكونغولي إلى الولايات المتحدة بصورة حادة، وسجلت في تموز/يوليو الماضي مستوى قياسياً بلغ أكثر من 53 ألف طن، في مؤشر على تنامي أهمية الكونغو بالنسبة إلى السوق الأمريكية.
وفي الوقت نفسه، تحاول كينشاسا تعزيز سيطرتها على مواردها ومعطياتها الجيولوجية، بما يمنح الدولة قدرة أكبر على التفاوض مع المستثمرين.
لكن النموذج الأمريكي لا يعني بالضرورة أن جميع مراحل السلسلة الصناعية ستنتقل إلى أفريقيا.
ففي أنغولا، على سبيل المثال، يدعم التمويل الأمريكي مشروع «لونغونجو» للعناصر الأرضية النادرة، الذي يستهدف إنتاج كربونات مختلطة من هذه العناصر داخل البلاد، قبل انتقال المادة إلى الولايات المتحدة لمراحل أخرى من المعالجة والتصنيع.
وتقول مؤسسة تمويل التنمية الأمريكية إن المشروع يمكن أن يساعد أنغولا على بناء قاعدة لمعالجة المعادن محلياً، لكنه في الوقت نفسه مصمم لتغذية سلاسل توريد أمريكية وغربية.
وهنا تكمن المفارقة: المعالجة المحلية قد تتوسع، من دون أن تنتقل بالضرورة السيطرة على السلسلة كاملة إلى البلدان الأفريقية.
وتأتي هذه التحركات في سياق منافسة استراتيجية أوسع مع بكين؛ فالولايات المتحدة تنظر إلى المعادن الحيوية باعتبارها قضية اقتصادية وأمنية في آن واحد، خصوصاً في ظل حاجة صناعات الدفاع والسيارات الكهربائية والبطاريات والإلكترونيات إلى موارد تتركز نسبة كبيرة منها في عدد محدود من الدول.
وفي شباط/فبراير الماضي استضافت واشنطن اجتماعاً وزارياً واسعاً حول المعادن الحيوية، بمشاركة عشرات الدول، بينها دول أفريقية رئيسية مثل أنغولا والكونغو الديمقراطية وغينيا وكينيا والمغرب وزامبيا وسيراليون.
وتؤكد الوثائق الأمريكية أن الهدف هو إعادة تشكيل سوق المعادن الحيوية وتنويع سلاسل الإمداد العالمية.
كما أصبحت البنية التحتية جزءاً من هذه الاستراتيجية؛ فاستثمار واشنطن في ممر لوبيتو، الذي يربط مناطق التعدين في وسط أفريقيا بالموانئ الأنغولية على الأطلسي، لا يتعلق بالنقل وحده، وإنما بإيجاد مسار غربي بديل لتدفقات المعادن بعيداً عن شبكات النقل والأسواق التي ارتبطت تاريخياً بالنفوذ الصيني.
وقد موّلت المؤسسة الأمريكية للتمويل التنموي مشروع السكك الحديدية والميناء بما يرفع القدرة الاستيعابية للممر ويخفض كلفة نقل المعادن.
وفي هذا السياق، يبدو أن واشنطن لا تدخل أفريقيا بمنطق الحصول على خامات فقط، وإنما تسعى إلى بناء سلاسل توريد كاملة أو شبه كاملة تربط المناجم الأفريقية بالموانئ والبنية اللوجستية ومراكز التصنيع الغربية.

الصين: الاستثمار
في التعدين لم يعد كافياً

غير أن بكين لا تنتظر على الهامش؛ ففي غينيا، دفعت الاستثمارات الصينية باتجاه إنشاء قدرات لتكرير البوكسيت وتحويله إلى ألومينا، فيما تتحرك البلاد نفسها لزيادة عدد المصافي المحلية وتقليل اعتمادها على تصدير الخام.
وفي زيمبابوي، اضطرت الشركات الصينية العاملة في الليثيوم إلى التعامل مع سياسة حكومية أكثر تشدداً تجاه تصدير المركزات. ووضعت هراري شروطاً لعودة الصادرات، بينها التزامات بزيادة المعالجة المحلية، في وقت تتجه فيه البلاد إلى تشديد القيود وصولاً إلى حظر تصدير مركزات الليثيوم مستقبلاً.
أما في الكونغو الديمقراطية، فتقدم منشآت معالجة النحاس نموذجاً آخر على انتقال الاستثمار الصيني من مجرد استخراج الخام إلى بناء حلقات صناعية داخل القارة.
وهكذا، فإن أفريقيا لا تبدو أمام منافسة بين نموذج صيني وآخر أمريكي فقط، بل أمام منافسة على شكل السلسلة الصناعية نفسها.

السؤال الأفريقي: من يملك القرار؟

ولا تكمن المعضلة الحقيقية بالنسبة للدول الأفريقية في اختيار واشنطن أو بكين بقدر ما تكمن في قدرتها على التفاوض مع الطرفين.
فوجود أكثر من قوة دولية تبحث عن المعادن الأفريقية يمنح الحكومات المنتجة فرصة نادرة لإعادة صياغة عقودها وشروطها. لكن هذه الفرصة لن تتحول تلقائياً إلى مكاسب تنموية.
فالفرق كبير بين إنشاء مصنع أولي لمعالجة الخام، وبين امتلاك التكنولوجيا والتمويل والقدرة الصناعية اللازمة للوصول إلى المنتجات النهائية.
وهذا هو جوهر التحذير الذي يفرض نفسه على التجربة الأفريقية: قد تتغير الجهة التي تشتري الخام، بينما يبقى موقع أفريقيا في السلسلة الاقتصادية على حاله.
وتشير دراسة حديثة حول تمويل مشاريع المعادن الحيوية في أفريقيا إلى أن المكاسب المرتبطة بالبنية التحتية والمعالجة يمكن أن تتعايش مع استمرار السيطرة الخارجية وتوزيع غير متكافئ للمخاطر والعوائد.
لذلك فإن نجاح استراتيجية التصنيع الأفريقية لن يقاس بعدد المصانع التي ستُعلن، وإنما بعدد حلقات القيمة التي ستبقى داخل القارة، وحجم الوظائف والمهارات والتكنولوجيا التي ستنشأ حولها، وقدرة الحكومات على ضمان أن تتحول الموارد الطبيعية إلى قاعدة صناعية مستدامة.
وتمنح المنافسة الحالية قارة أفريقيا فرصة لم تكن متاحة بهذا الحجم منذ عقود؛ ففي السابق كان بإمكان الشركات والدول الكبرى التعامل مع كثير من البلدان الأفريقية باعتبارها مصدراً للخام؛ أما اليوم، فإن التحول العالمي في الطاقة والتكنولوجيا والدفاع جعل الموارد الأفريقية جزءاً من حسابات الأمن الاقتصادي للقوى الكبرى.
وتذهب تقديرات حديثة إلى أن أفريقيا تمتلك نحو 30 في المئة من الاحتياطيات المعدنية العالمية، لكنها لا تحصل إلا على جزء محدود من العائدات العالمية المرتبطة بها، وهو اختلال يعيد إلى الواجهة النقاش حول النموذج الاستخراجي الذي حكم علاقة القارة بالاقتصاد العالمي لعقود.
وإذا كانت الولايات المتحدة تريد كسر احتكار الصين لبعض سلاسل المعادن الحيوية، وكانت الصين تسعى إلى تثبيت حضورها من المنجم إلى المصانع، فإن أمام الدول الأفريقية فرصة لفرض معادلة ثالثة: لا استخراج بلا قيمة مضافة، ولا استثمار بلا نقل للتكنولوجيا، ولا شراكة استراتيجية بلا عائد صناعي محلي.
وفي نهاية المطاف، لن يكون التحدي الأفريقي هو معرفة ما إذا كانت الصين أو الولايات المتحدة ستفوز بسباق المعادن، وإنما معرفة ما إذا كانت أفريقيا نفسها ستخرج من هذا السباق رابحة.
فالثروة المعدنية لا تتحول إلى ثروة وطنية بمجرد استخراجها من باطن الأرض؛ وإنما عندما تتحول إلى صناعة، ومعرفة، ووظائف، وتكنولوجيا، وإيرادات عادلة، وقدرة على التحكم في القرار الاقتصادي.
وهنا تحديداً ستتحدد قيمة الوعود الأمريكية والصينية: ليس بما تقوله البيانات الرسمية عن «الشراكة»، وإنما بما تتركه المصانع وسلاسل القيمة والمهارات داخل الأرض الأفريقية.

✎

فريق تحرير مصري فور نيوز

فريق التحرير في مصري فور نيوز — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

أخبار ذات صلة

0 تعليق