رحيل تغريدة فى زمن ضنين

المصرى اليوم 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

اشترك لتصلك أهم الأخبار

يرحل المبدعون الكبار تباعًا.. فما كدنا نودع المؤلف الدرامى والسيناريست الكبير «وحيد حامد» حتى انقض طائر الموت البغيض واختطف بنت جيله الرائعة «كوثر هيكل»، كاتبة السيناريو والحوار القديرة والإعلامية الكبيرة، بعد رحلة إبداع أثرت بها الشاشتين الصغيرة والكبيرة بأفلام ومسلسلات بديعة السبك والحبك والمحتوى.. صاغت معظمها فى إطار من نفحات رومانسية عطرة تميزت بها فشكلت ملمحًا متفردًا من الدراما المعاصرة.. برزت بجلاء فى درة من درر السينما المصرية هو فيلم «حبيبى دائمًا» بطولة «نور الشريف» و«بوسى» وإخراج «حسين كمال»، بحوارها الشاعرى الرشيق المتدفق فى نعومة آسرة ورونق براق ومعانٍ سامية.. ودون أن ينحرف إلى لزوجة عاطفية أو زخارف لفظية مفتعلة.. والحوار هنا لا يتوقف عند مجرد التعبير عن فحوى المشاهد أو التعليق على الأحداث.. ولكنه يؤدى وظيفته الفنية فى تلاحمه مع الصور المرئية لدفع الدراما إلى الأمام.. وإشعال الصراع.. ومن خلال نسيج متناغم من تسلسل شائق ومواقف ذات وهج تحتشد بعواطف متأججة.. ومفردات حوارية موشاة بإيقاعات منغمة رقيقة تثرى الوجدان.. وتسر الأفئدة وتخطف العقول.

وفى علاقة الحب التى ربطت بين قلبى البطل والبطلة غمست «كوثر هيكل» قلمها فى مداد قلبها فكتبت حوارًا يترقرق بالبهاء بنغمات مترعة بصفاء وعذوبة وصدق يجذب المتلقى فتمتزج مشاعره بمشاعر البطلين فيعيش معهما إشراقات السعادة وأحلام الأيام الجميلة القادمة.. ويصبح الحب هو وصال الروح بالروح.. وحينما يحل القدر المحتوم بقرب نهاية البطلة بالموت.. تنهمر دموع المشاهدين ويشاركونهما ألم الفراق وألم الوداع.

وتواصل «كوثر» مع «حسين كمال» الذى يسعد برومانسيتها وتتناغم مع شاعريته فتكتب سيناريو وحوار فيلم «على ورق سوليفان» عن رائعة «يوسف إدريس»، البطلة «نادية لطفى» زوجة جراح شهير «أحمد مظهر» عاشرته عشر سنوات ثم داهمها الملل وكاد يدفعها هذا الملل- كما يدفع مثيلاتها المدللات- أن تخونه مع شاب يلاحقها «محمود ياسين» ولكنها حينما تذهب لزيارة زوجها بالمستشفى ويسمح لها بدخول حجرة العمليات فتراه على حقيقته التى لم تدركها أبدًا.. صانعًا عظيمًا للحياة.. ورجلًا يكمن الحب والسحر نفسه فى أصابعه الماهرة عندما يتحول إلى إله صغير يصارع الموت ويقهره ويؤدى واجبه المقدس فى إنقاذ المريض بإجراء عملية دقيقة له كادت تودى بحياته.. وأمام اكتشافها المذهل من أجل لحظات حب مزوقة وزائفة.. استطاعت «كوثر» أن تحول هذا النسيج المرهف إلى بناء درامى باهر رغم أنه لم يعتمد على أحداث متصاعدة أو صراع محتدم لكنه قائم على تفاصيل اللحظات الشعورية والدقائق الانفعالية والنفسية.. فلعب الحوار الراقى والعميق دورًا رئيسيًا فى التعبير الموحى والإنسانى الشفيف فى تحول شخصية البطلة من النقيض إلى النقيض.

ومن خلال أدب «إحسان عبدالقدوس» قدمت «كوثر هيكل» فى حوار فيلمى «إمبراطورية ميم» و«العذراء والشعر الأبيض» رؤيتها الممتدة للتعبير عن أفكار «إحسان» المناهض للمجتمع الطبقى المغلق الذى يفتقر إلى الحرية والديمقراطية.. ويتحصن فى الإنسان بوعى زائف وموروثات وتقاليد متخلفة.. ويكشف عن المسكوت عنه خارج جدران السجون الاجتماعية والمعتقلات العاطفية.

تحصنت «كوثر هيكل» فى حياتها بكبرياء وترفع نادر المثال، فخاصمت مثالب مجتمع يعج بالرياء والملق والنفاق، ونفرت من أضواء دعائية زائفة.. فلم تقدم تنازلًا واحدًا.. ولم تُضبط متلبسة بمجاملة نجم أو نجمة أو منتج على حساب قناعاتها الفكرية وضميرها الفنى وحساسيتها المرهفة.. وأصرت طوال مشوارها الإبداعى على ألا تعدل مشهدًا أو تغير حرفًا فى حوار درامى تكتبه متجاهلة تمامًا إرضاء ذائقة متفرج متعطش لمشاهدة ميلودراما فجة أو كوميديا رخيصة.. أو نجم يطالب بأن يعمل لديه السيناريست ترزيًا يفصل له الشخصية التى تروق له، أو نجمة تصبو إلى أن تجسد دور مراهقة يتهافت عليها الشباب الضائع وقد تجاوزت الستين من عمرها.

وكانت «كوثر هيكل»- شأنها فى ذلك شأن أقرانها من كبار مؤلفى الدراما السينمائية والتليفزيونية- ضيفة على هذا الزمن الضنين الذى أفرز رهطًا من صناع «الورش»، التى شبهها الراحل الكبير «وحيد حامد» بـ«أردية المجاذيب» المحتشدة بالرقع متنافرة الألوان- الذين يمثلون مجموعات تتولى كل مجموعة منهم كتابة سيناريو واحد لفيلم أو مسلسل.. فهذا يتولى رسم شخصية البطل، وثانٍ يكتب أحداث شخصية البطلة، وثالث للشخصيات المساعدة، ورابع ينثر الإفيهات المسفة فى ثنايا حوار ركيك مرصع ببذاءات لغة الشارع المتدنية وسوقية شائعة.. فيصبح حوار «كوثر هيكل» الرقيق البليغ بقلمها الملهم تراثًا يدعو لسخرية أرزقية المهنة المحدثين.. وتصبح كلمات الحب السامى المحلق فى سماوات الإلهام والذى يترقرق بالبهاء والجمال بتعبيراتهم القبيحة «حبًا فشيخًا».

وقد غابت «كوثر هيكل» ولم تحظ بالتكريم اللائق بها على المستوى الفنى أو الإدارى، وكان جزاء «سنمار» ضريبة عطائها الكبير.

[email protected]

  • الوضع في مصر

  • اصابات

    166,492

  • تعافي

    130,107

  • وفيات

    9,360

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق